قاسم السامرائي
88
علم الاكتناة العربي الإسلامي
في أرجاء المعمورة والخراب بحثا عن نسخ الكتاب الذي ينوي تحقيقه . وهذا شيء ، وأيم اللّه ، لا يستطيع أيّ محقق أن يقوم به حتى لو كان له عمر النسور وخزائن قارون ، ناهيك عن الصعوبات التي تصاحب كلّ ذلك ، والتي لا يعرفها إلّا من عانى التحقيق وتلوّع قلبه في الحصول على مصورات من مخطوطات موجودة ومسجلة في فهارس منشورة ، ناهيك عن المستورة المخبّأة في الزوايا والتكايا والسراديب الموحشة . وتجربتي الفاشلة التي دامت أربع سنين في الحصول على نسخة مصورة من مخطوطة كتاب ناصر الدين على القوم الكافرين للحجري المحفوظة بدار الكتب المصرية ، حيث لم أترك صديقا ولا زميلا مصريا أو غير مصري لم أستنجد به فكانت النتيجة ؛ أننا حصلنا على مصورة منها ليس من دار الكتب المصرية ، بل من المستشرقة الإيطالية السيدة سرنللي Sarnelli Cerqua , C . ، وهي أنصع مثال على ما يلقاه المحقق الآن من العناء والسأم والإحباط « 1 » ، وهذا أمر يكاد يتفق عليه كلّ من عانى التحقيق العلمي السليم في الخافقين ، وهذا محقق يقول في معاناته : " إنّ الحصول على نسخ مصورة من المخطوطات العربية أمر غير متيسر في كثير من البلدان ، يعرف ذلك كل من عانى المخطوط العربي واشتغل بتحقيقه " « 2 » . فإذا أخذ المحققون بهذا الرأي ، وعزفوا عن تحقيق النسخ الفريدة فإنّ جانبا مهمّا من تراثنا يبقى مدفونا مجهولا لأنّ عددا كبيرا من المخطوطات المهمة جدا وصل إلينا بنسخ فريدة أو بقطع من نسخ لم نكتشف منها بعد أية نسخة أخرى ، والأنفع أن تنشر هذه الفرائد من أن تبقى مطمورة في الزوايا
--> ( 1 ) أما الحصول على مصورة لمخطوطة من مكتبات تركية فهو حديث خرافة آخر . ( 2 ) انظر : غانم قدوري حمد في مقدمة تحقيق كتاب البديع في معرفة ما رسم في مصحف عثمان لابن معاذ الجهني ، مجلة المورد ، مج 15 ، ع 4 ، 274 .